إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

156

زهر الآداب وثمر الألباب

قوم من أهل الصناعات ، فوصفوا بلاغاتهم ، من طريق صناعاتهم « 1 » : فقال الجوهري : أحسن الكلام نظاما ما ثقبته يد الفكرة ، ونظمته الفطنة ، ووصل جوهر معانيه في سموط « 2 » ألفاظه ، فاحتملته نحور الرواة . وقال العطار : أطيب الكلام ما عجن عنبر ألفاظه بمسك معانيه ، ففاح نسيم نشقه ، وسطعت رائحة عبقه ، فتعلقت به الرّواة ، وتعطَّرت به السّراة . وقال الصائغ : خير الكلام ما أحميته بكير الفكر « 3 » ، وسبكته بمشاعل النّظر ، وخلَّصته من خبث الإطناب ، فبرز بروز الإبريز « 4 » ، في معنى وجيز . وقال الصيرفي « 5 » : خير الكلام ما نقدته يد البصيرة ، وجلته عين الرويّة ، ووزنته بمعيار الفصاحة ، فلا نظر يزيّفه « 6 » ، ولا سماع يبهرجه « 7 » وقال الحداد : أحسن الكلام ما نصبت عليه منفخة القريحة ، وأشعلت عليه نار البصيرة ، ثم أخرجته من فحم « 8 » الإفحام ، ورقّقته بفطَّيس الإفهام « 9 » . وقال النجار : خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدوم التقدير ، ونشرته بمنشار التدبير ، فصار بابا لبيت البيان ، وعارضة لسقف اللسان . وقال النجاد : أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه « 10 » ، وحسنت مطارح

--> « 1 » هذا نوع من فن المقامات الذي ذاع في القرن الرابع بفضل أبى بكر بن دريد وبديع الزمان ، وقد ترجمت هذا الحديث إلى اللغة الفرنسية في كتابي . La prose arabe au Iv' siecle de L'hegire « 2 » السموط : جمع سمط - بالكسر - وهو خيط النظم « 3 » الكير بالكسر : هو منفخة الحداد « 4 » الإبريز : هو الذهب الخالص « 5 » الصيرفي : صراف الدراهم ، والجمع صيارفة ، وجاء في الشعر صياريف « 6 » زاف الدراهم وزيفها : حكم برداءتها « 7 » يبهرجه : يحكم بأنه بهرج ، والبهرج : الباطل والردئ « 8 » الإفحام : العجز عن البيان ، ومنه : شاعر مفحم ، على صيغة المفعول « 9 » الفطيس : المطرقة « 10 » الرفارف : الأطراف ، مفردها رفرف - وهي ثياب خضر تبسط ( م )